لكل مكان شوارب....
لماذا فقد أبو حسن شاربه؟
من حكايا أبو هزاع الطلسماني
يعد أبو حسن معجزة حقيقية. نظرة واحدة إليه تكفي. يديه مليئة بالخواتم أي يوم، وسلسال لماع ملفوف حول رقبته دائماً. يقنص في مشيته كالديك. وعندما حطت به الطائرة في مطار جي إف كي في نيويورك لاحظ أنه يجلب الإنتباه لنفسه ولهذا استقر على الإبتسام دوماً. على كل الإبتسامة لاتفارق وجه أبو حسن لسبب ما.
من المطار اتصل أبو حسن بغسان الذي أبدى إستعداده لجلب أبو حسن من المطار. عندما أتى غسان كان أبو حسن بالإنتظار فرحاً، وفرح أكثر عندما علم أن هناك غرفة بإنتظاره بسعر قليل. تحدث أبو حسن عن نفسه معظم الطريق إلى شقة غسان الكائنة في الطابق الثاني لمنزل عائلي على أوشن باركواي والأفينيو يو في بروكلين. كان أبو خليل صديق والده قد أعطاه رقم غسان قريبه والذي كان قد هاجر إلى أمريكا منذ خمسة سنولت.
يلبس أبو حسن دائماً أشياءً جديدة يشتريها من راتبه الاسبوعي اللذي يأخذه نقداً من معلمه نقولا الحلبي صاحب المطعم الواقع على الشارع الرابع عشر الغربي في مانهاتن. إبتدأ العمل عند المعلم نقولا منذ شهرين.
حذائه في هذه الايام كاوبوي مصنوع من جلد أفعى لونه بني فاتح. يلبس أبو حسن في هذه الأيام أيضاً قبعة كاوبوي كان قد إشتراها من محل مملوك من قبل شخص شامي على بليكر ستريت الذي زاره للمرة الأولى منذ اسبوعين. يلمع ويصفف أبو حسن ذو الشوارب الضخمة شعره بعناية كل صباح ومراتٍ عديدة خلال النهار اثناء تواجده في المطعم. وفي الحقيقة يمشط أبو حسن شاربه معظم الوقت ويحمل من أجل ذلك مشطا خاصاً كان قد أحضره معه من دمشق الشهر الماضي عندما حل في نيويورك للمرة الآولى في حياته محاولا النجاح في هذا البلد الصعب. من يشاهده لن يستطيع التكهن بحقيقة عمله. بصراحة، شكله كالسائح.
كانت جانيت جارة أبو حسن في دمشق قد أعطته رقم المعلم نقولا الذي يكون ابن خالتها دعد التي تزوجت جورج الصائغ الحلبي والذي أتى مع أهله للإسبتقرار في نيويورك. نجحت عائلة جورج دكر الحلبي واستقروا في بروكلين، حيث مارس الأب مهنته وخرج نقولا الولد الأصغر ليؤسس سلسلة مطاعم في مانهاتن. بالطبع عندما تكلم المعلم نقولا مع أبو حسن على التليفون جرت الأمور بسلاسة حيرت أبو حسن، إن لم نقول أنها شوهت الصورة الحقيقية للواقع العملي في نيويورك. لاتأتي الأمور بهذه البساطة عادة. منذ ذللك اليوم وأبو حسن يفتكر أن الأمور سهلة في نيويورك. في ذلك اللقاء الأول ارتدى أبو حسن قميصه الأسود اللماع مع سرواله الجينز الرانغلر الذي إشتراه في أول يوم له في مدينة نيويورك وحذائه الإيطالي الذي جلبه معه من دمشق والذي كان قد إشتراه من أحد المهربين من أجل لبسه في نيويورك.
صرخ المعلم نقولا بلهجته الحلبية الجميلة التي لم تتأثر بسنين الغربة الطويلة عندما رأى شوارب أبو حسن:"اشو هاد يازلمة..والله فكرت أنو الشرطة العسكرية جاي وراي." قهقه أبو حسن وأخبر المعلم نقولا أنه كان بالفعل عنصراً في الشرطة العسكرية. أيقن المعلم نقولا أن أبو حسن لم يكن ذو رتبة تذكر في الشرطة العسكرية لأنه خلال الحديث أخبره أبو حسن أنه لم يكمل علمه بعد الثانوية العامة. لم يهتم بذلك وإنما بالشخص المرسل إليه والذي بإستطاعته توفير عمل له.
لكل مكان شوارب. وأيضاً لكل زمان شوارب. فمثلا يكون شارب أي ممثل رومانسي من الخمسينات في القرن الماضي رفيعاً يلمع، وأما شوارب زعيم العصابة فسوف يكون ثخينا وكأنه من شوك. أما الرفيق المناضل آبو حسن فإن شاربه يؤهله لقيادة جبهة. وطبعاً هناك الشارب الوهمي. أما أخطر تلك الشوارب فهو ذلك الذي قهر اللحية ليحتل مكانها بنرجسية ملحوظة، هذا أذا نظرنا إلى اللحية كإمتداد طبيعي للجسم. مما لايشك به أن الشارب وإحتلاله لمركز الصدارة مهم ويعكس الكثير من ألام وتاريخ البشر وخصوصاً من موقعه الإستراتيجي فوق الفم وتحت الخطم،
حاول المعلم نقولا منذ البداية أن يعلم أبو حسن الثلاثيني جغرافية المنطقة. لكن أبو حسن المستعجل دوماً حاول إقناع المعلم نقولا أنه أصبح يعرفها كحارته في دمشق . أظهرأبو حسن أنه قد تسكع في المنطقة كل يوم بعد انتهاء ساعات عمله التي اصبحت توصيل الطلبات إلى منازل الزبائن والتي أصبحت شاغرة بعد سفر أرنالدو المكسيكي المجد والذي عمل لدى المعلم نقولا لخمس سنوات. حزن المعلم نقولا على خسارة أرنالدو الذي ترك دراجته الهوائية التي كان يركبها كل يوم، مطر، ثلج، لافرق. كانت الدراجة وقفلها نسخة طيق الأصل عن صاحبها: قوية، سريعة وأمينة لجميع الفصول. وعندما اعطى المعلم نقولا البسكليت لأبو حسن لاحظ الفرق للتو. وعندما قفز أبو حسن على البسكليت ليستخدمها للمرة الأولى عرف المعلم نقولا أن المشاكل سوف تأتي سريعاً.
لم يكن المعلم نقولا مخطئاً فقد رجع أبو حسن بحالة تعيسة من أول توصيلة على البسكليت. قميصه الجديد ممزق وساعده مجروح وكعب حذائه في يده. ادعى أبو حسن أن سيارة قد اصطدمت به. لم يصدق المعلم نقولا هذا الكلام لعدم وجود أية آثار على البسكليت، واكتفى بالضحك وناول أبو حسن حقيبة الاسعاف الأولية وأشار إليه بالذهاب إلى الحمام لتضميد نفسه حيث أمضى أبو حسن معظم الظهيرة بحجة نضميد جراحه حيث كان في الحقيقة مهموم أكثر على شعره لأن الحادث قد طال تلك المنطقة المهمة جداً.
عندما خرج أبو حسن من الحمام وجد طلبية جديدة للتوصيل، وكان مسروراً عندما أخبره المعلم نقولا أن الزبون قد سأل شخصياً عن العامل ذو الشوارب الضخمة. نسي أبو حسن حالته وأخذ نفساً طويلاً نافخاً صدره. بالطبع تمنفخ أبو حسن وأخبر المعلم نقولا أن الزبائن أصبحوا يعرفونه. هز المعلم نقولا رأسه وضحك وأخبر أبو حسن بأنه وشواربه سوف يصبحون مشهورين جداً. أعجب ذلك الكلام أبو حسن واتجه بتوصيلته إلى منزل الزبون القريب جداً من المطعم بعد أن أرجع كعب حذائه بقدرة قادر بينما كان يفتل شواربه.
نظر المعلم نقولا إلى أبو حسن المهتز بسبب عدم توازن حذائه وضحك وقال: "إشو هاد يازلمة." لم يسمع أبو حسن ذلك واستمر بمشيته المميزة إلى أن وصل إلى منزل الزبون القريب جداً وقرع الجرس. أتى صوت الرجل من خلال الانتركوم ناعماً جداً وارشد أبو حسن المبتسم إلى لمصعد المؤدي إلى شقته. على باب الشقة كان الزبون لطيفاً جداً وأعطى أبو حسن بخشيشاً كبيراً. لم يدري أبو حسن سر هذا الكرم أو ماهو حجم البخشيش عادة. مرة أخرة أدت سهولة الأمور إلى تشكيل مفاهيم خاطئة عن الحياة وقساوتها في نيويورك. وعندما عاد أبو حسن إلى المطعم هز رأسه وطلب من المعلم نقولا الاذن بالذهاب مبكراً، لأنه يريد الذهاب إلى متجر ما للتبضع. بالطبع وافق المعلم نقولا الطيب على ذلك وأخبر أبو حسن أن ليلى مديرة المحل ستتولى أمر التوصيل إذا احتاج الأمر. ابتسم أبو حسن لمجرد سماع اسم ليلى اللتي غازلها منذ أول مرة وقعت عيناه عليها. قضت ليلى بعض الوقت في أحلام أبو حسن النهارية خلال الأسبوع الماضي وخصوصاً بعدما أخذته معها للعشاء في مطعم هندي في الإيست فيلج.
خرج أبو حسن ولم يضع قبعته الكاوبوي كعادته الجديدة واتجه مسرعاً جنوبا بإتجاه بليكر ستريت وعندما وصل أمام المتجر الذي كان قد إشترى منه قشاطاً ذو بكلة حديدية بشكل رآس ثور ابتسم عندما رأى المحل مفتوحاً. أعلن الجرس الموضوع خلف الباب دخول أبو حسن المسرحي دوما المبتدأ بالابتسامة المعهودة. إقترب صاحب المحل الأمريكي الأبيض من أبو حسن وسأله إذا كان يبحث عن شيء ما. أخبر أبو حسن بلغته الإنكليزية المحدودة جداً مستخدماً إشارات وعلامات بيديه صاحب المحل أنه يريد شراء حذاء جديد وبعد الدوران في المحل استقر أبو حسن على ماإشتراه بسرعة. أخبر صاحب المحل أبو حسن بأنه يستطيع تصليح الحذاء المعطوب. فرح أبو حسن بذلك لأن ذلك سوف يجعل من مشواره أسهل.
خرج أبو حسن من المحل بحذاء كاوبوي جديد وفي الخارج لبس قبعته الكاوبوي واتجه غرباً. عندما وصل أبو حسن إلى السكس آفينيو انعطف يميناً واتجه شمالاً. مشي أبو حسن وأعجبته صخابة الحياة وانطلق يمشي متتبعاً حركة البشر الجماعية اللتي قادته إلى المناطق الأكثر حيوية في ليل نيويورك في تلك المنطقة. أحس أبو حسن بسعادة حقيقية في تلك الليلة وقادته قدماه إلى كل مكان حتى تعب كثيراً وقرر العودة إلى بروكلين بعد أن تسكع لساعات. ......(يتبع)
No comments:
Post a Comment